عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
29
معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان ( تعليق التنوخي )
لزمك أن تتصدق بمائة دينار من مالك . فقلت : ولم ذلك ؟ فقال : لأن هذا الرجل غاصب وماله ينبغي أن يرده إلى من غصبه ، فإن لم يعرفه ، تصدّق به ، فقلت له : ما دليل ذلك ؟ قال : جرى في تونس نهب ، فأتى رجل إلى السوق يلتمس ثوبا يشبه ما نهب لزوجته ، فوجد ثوبا ينادي عليه ليبيعه رجل جندي فاشتراه منه بسبعة دنانير ظانّا أنه ثوب زوجته ، فأخذ الجندي الدنانير وخلطها مع دنانيره ، ثم مضى الرجل بالثّوب إلى زوجته فقالت : ليس هو ثوبي ، فسأل الجندي أن يقيله فيه ففعل وأعطاه سبعة دنانير من خلط الدنانير قال : فأتى الرجل فسأل جماعة من رجال سحنون وهم يومئذ متوافرون بالقيروان ، فما اختلف منهم واحد أنه يتصدّق بهذه الدنانير الذي أخذها وبقيمة الثوب ، لأنه كان يسوى أكثر ، وقال ابن الحلاف : كنت أعمل القطن فنتفرغ من العمل بالعشيّ فيضيق علي الوقت ، وكانت نوالات بنيت غصبا على وادي القصّارين ، فنشتري منها بحبة بقلا فوقع في نفسي من ذلك فسألت أبا الفضل بن الممسي وأبا حفص بن العسّال رحمهما اللّه عن ذلك فقالا لي : تتصدق بقيمة الكراء من حين عقدت البيع إلى أن قبضته ؟ فقلت لهم : كراء النوال درهم في الشهر وهو يبيع باثني عشر درهما كل يوم ، فقالا لي : تصدق بربع درهم في السّنة ، فإن الحبوب إذا اجتمعت كثرت . وروي : أنه وصل إليه حديد فأدخله السوق فقيل له : قد سوى على فلان بعشرة دنانير القنطار وعلى فلان بأربعة عشر دينارا القنطار قال : هذا تفاوت فما السبب في ذلك ؟ فقيل : إنّ فلانا يعني الثاني لا يبقى عنده عمل يجيء إليه أبو فلان فيأخذ ما عنده من العمل ، فباعه بعشرة دنانير للأول ، وكان أبو الفضل أحسن خلق اللّه وضوءا ، وكان له مرحاض لا يدخله غيره ، مفتاحه في وسطه ، وكان يكاد أن يصلّي في هذا المرحاض لأنه نقي وفيه أواني الوضوء مغطّاة ، وفيه نعل لا يخرج بها ، ونعل يمشي بها إلى مصلّاه ، فلما أصيب سمعوا في المرحاض قعقعة عظيمة فأرخوا ذلك فوجدوه يوم مات بالمهدية ففتحوا المرحاض فوجدوا أواني الوضوء قد كسر بعضها بعضا ساعة مات بالوادي المالح . قلت : وكان شيخنا أبو الفضل البرزلي ينقل أنّ أمّه لما سمعت القعقعة المذكورة قالت لمن حضرها : عزّوني في ولدي فإنّ هذه القعقعة تدلّ على موته . قال : وكان أبو الفضل ممن خرج لقتال بني عبيد مع أهل القيروان لما كان يعتقد من كفرهم .